يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

181

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

فضة فقلت : إلى أين يا غلام ؟ فقال : إلى مكة . فقلت : بلا زاد ولا راحلة ؟ فقال : يا ضعيف اليقين الذي يقدر على حفظ السماوات والأرض يقدر أن يوصلني إلى مكة بغير زاد ولا راحلة . فلما دخلت مكة وإذا هو في الطواف يقول : يا نفس سيحي أبدا * ولا تجيبي أحدا إلا الجليل الصمدا * يا نفس موتي كمدا فلما رآني قال : يا شيخ أنت مصر بعد على ذلك الضعف . وقال أبو مطيع لحاتم الأصم : بلغني أنك تقطع المفاوز بالتوكل من غير زاد . قال حاتم : بأربعة أشياء ، قال : ما هي ؟ قال : أرى الدنيا والآخرة مملكة اللّه تعالى ، وأرى الخلق كلهم عبيد اللّه وعياله ، وأرى الأرزاق والأسباب كلها بيد اللّه ، وأرى قضاء اللّه نافذا في جميع أرض اللّه . وعن بعض الحكماء أنه كان في بعض البوادي ، فوسوس إليه الشيطان أنه متجرد وهذه بادية لا عمران فيها ولا ناس ، فعزم على نفسه أن يمشي على تجرده وأن يترك الطريق حتى لا يقع بأحد من الناس ، ولا يأكل شيئا حتى يجعل في فيه السمن والعسل . ثم عدل عن الشارع ومر على وجهه . قال رحمه اللّه : فصبرت ما شاء اللّه فإذا بقافلة قد أضلت الطريق وهم يسيرون فلما أبصرتهم رميت بنفسي إلى الأرض لعلهم لا يبصرونني ، فسيرهم اللّه حتى وقفوا عليّ فغمضت عيني فدنوا مني وقالوا : هذا منقطع به غشي عليه من الجوع والعطش ، فهاتوا سمنا وعسلا نجعله في فيه لعله يفيق . فأتوا بسمن وعسل فسددت فمي ولساني فأتوا بسكين فعالجوا فمي حتى فتحوه فضحكت ففتحت فمي . فلما رأوا ذلك قالوا : مجنون أنت ؟ قلت : لا والحمد للّه ، وأخبرتهم ببعض ما جرى لي مع الشيطان . قال أبو حامد رحمه اللّه : فإن قلت هل تدخل البادية بلا زاد واللّه تعالى يقول : وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى [ البقرة : 197 ] ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم كان يحمل الزاد ، وكذلك الصحابة والسلف الصالح رضي اللّه عنهم . فالجواب أن الآية فيها قولان : أحدهما أنه زاد الآخرة ، ولذلك قال : خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى ولم يقل حطامها ولا أسبابها . والثاني أنه كان قوم لا يأخذون زادا في طريق الحج اتكالا على الناس فيسألون ويلحون ، وأما النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه رضي اللّه عنهم ، فيقال : إن ذلك مباح غير حرام ، إنما الحرام تعليق القلب بالزاد وترك التوكل على اللّه سبحانه وتعالى ، ثم ما ظنك برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حيث قال اللّه له : وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ